محمد أبو زهرة

4008

زهرة التفاسير

اسْتَفْتَحُوا طلبوا الفتح والنصر ، والضمير يعود إلى الرسل ، أي أن الرسل بعد أن اطمأنوا إلى وعد اللّه تعالى لهم بأنه مهلك الظالمين بسبب ظلمهم تقدموا لمنازلة المشركين ، واستفتحوا كما كان يستفتح النبي صلى اللّه عليه وسلم في كل غزوة يغزوها ، والفتح هو النصر ، أي يطلبون النصر من اللّه تعالى ، ويصح أن يكون طلب الحق بأن يفصل بين الحق والباطل ، كما قال اللّه تعالى : . . . رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ ( 89 ) [ الأعراف ] . ويقول الزمخشري : إنه يكون مشتقا من الفتح بمعنى الحكم . وقوله تعالى : وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ بيان لنتيجة المعركة التي استفتح لها الرسل ، والواو للعطف على فعل محذوف ، تقديره ، وفتح اللّه تعالى للرسل بأن نصرهم أو حكم لهم وخاب كل جبار عنيد ، والكلية هنا معناها أن المتكبرين على الحق الجبابرة الذين يعتدون ويلجون في الباطل ، ولا يصغون إلى حق من أي مكان ، مآلهم الخيبة ، والخسران المبين ؛ وذلك لأن الجبار يستعلى فيظلم ، ولا نصر لظالم ، والعنيد يركب رأسه ، فلا ينصت لداع يدعو إلى التأمل وتعرف عواقب الأمور ، فلا يرى إلا ما يكون بين يديه من أمور ظاهرة لا يتعرف ما وراءها ، ويقول دائما مقالة فرعون : . . . ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ ( 29 ) [ غافر ] . ولقد قال بعض السلف : إن الضمير في قوله تعالى : وَاسْتَفْتَحُوا يعود إلى الظالمين ، أي الظالمين مع ظلمهم وطغيانهم يطلبون النصر ، وذلك منهم إمعان في الضلال الفكري ؛ إذ حسبوا ما عندهم خيرا يجيز لهم أن يستفتحوا من أجله .